كاميرا الدماء.. دعم يغرق في الظلال الإعلامية

Picture of دكتور علاء اللقطة

دكتور علاء اللقطة

طبيب وفنان تشكيلي ورسّام كاريكاتير فلسطيني، عُرف بريشته المعبّرة التي تلامس هموم الوطن والإنسان العربي. تميّزت أعماله الكاريكاتيرية بعمقها الوطني ورسائلها الإنسانية التي تعكس الواقع الفلسطيني والعربي بصدق وإبداع، نال العديد من الجوائز والتكريمات تقديراً لإسهاماته البارزة في فن الكاريكاتير العربي.
في لوحة كاريكاتيرية حادة الرسم، تتراءى لنا صورة قاسية تجسد التناقض المؤلم بين الإعلام المهيمن والضحية المهمشة. هناك كاميرا عملاقة، سوداء الجسد وواسعة العدسة، تتربص كوحش إعلامي جاهز لالتهام اللحظات الحية....
كاميرا الدماء.. دعم يغرق في الظلال الإعلامية

كاميرا الدماء.. دعم يغرق في الظلال الإعلامية

في لوحة كاريكاتيرية حادة الرسم، تتراءى لنا صورة قاسية تجسد التناقض المؤلم بين الإعلام المهيمن والضحية المهمشة. هناك كاميرا عملاقة، سوداء الجسد وواسعة العدسة، تتربص كوحش إعلامي جاهز لالتهام اللحظات الحية. زرها الأزرق البارز يرمز إلى الضغط الإعلامي الذي لا يرحم، بينما فرشاتها البيضاء تذكرنا بمساحيق التمويه التي تغطي الحقيقة. هذه الكاميرا ليست مجرد أداة تصوير؛ إنها رمز للسيطرة الإعلامية التي تُحوّل المآسي إلى مادة ترفيهية، تُقدَّم للجمهور كـ”أخبار” معلبة، خالية من الروح الإنسانية.

أمام هذا الجبل الإعلامي، تقف فتاة صغيرة، هشة كورقة في عاصفة، ترتدي فستانًا ورديًا يتساقط منه دماء حمراء كالنار، تغرق أقدامها في بركة من الجراح المتدفقة. وجهها الخائف، بعيون واسعة وأذن أرنبية تضيف لمسة من البراءة الطفولية، يعكس الضحية البريئة في خضم النزاعات. بيدها كيس أصفر مكتوب عليه “دعم”، ماسكة إياه بيأس كأنه آخر خيط أمل في بحر الدمار. هذا الكيس ليس مجرد رمز؛ إنه سخرية مريرة من الوعود السياسية والمساعدات الدولية التي تُقدَّم كـ”دعم”، لكنها غالبًا ما تكون مجرد وهم يغرق في الواقع القاسي، تاركة الشعوب تنزف دون إنقاذ حقيقي.

يُبرز الكاريكاتير التباين الدرامي بين الحجم: الكاميرا الضخمة تمثّل الإعلام العالمي والقوى الكبرى التي تراقب وتصوّر، بينما الفتاة الصغيرة تجسّد الشعوب العربية، خاصة في سياق النزاعات الدامية كتلك في فلسطين أو غيرها، حيث يُغطَّى الدمار بالكاميرات لكن الدعم الحقيقي يبقى بعيد المنال. الخلفية البيضاء النقية تُعزِّز هذا التناقض، كأنها صفحة فارغة تنتظر كتابة التاريخ، لكنها ملطخة بدماء الواقع. هذا الرسم ليس مجرَّد سخرية؛ إنه صرخة أدبية ضد الإعلام الذي يُحوِّل المعاناة إلى محتوى، والدعم إلى مجرَّد كلمات على كيس أصفر. في عالم يغرق في الدم، هل تكفي الكاميرا لتوثيق الجرح، أم أنها جزء من الجرح نفسه؟ يدعونا الكاريكاتير إلى التفكير العميق في دور الإعلام: هل هو شاهد محايد، أم شريك في الصمت؟

ذات صلة
حين تنحني الجباه وتنهض الأرواح
عندما تتجلى لحظة من أصدق لحظات الإنسان مع ربه: رجل في سجوده، تحت سماء مرصعة بالنجوم وهلال يتأمل المشهد،...
المزيد »
غذاء الروح.. عندما يعيد العلم بناء العقول 
رسمة تختصر فلسفة كاملة في مشهد واحد: أن العلاقة بين الإنسان والعلم ليست علاقة استهلاك، بل علاقة تغذية...
المزيد »
الصدقة بين المجهر والسماء.. حين يختلف المنظور وتبقى النية
في هذا الرسم الكاريكاتيري البليغ، تتجلى مفارقة عميقة بين نظرة الإنسان ونظرة الله إلى الصدقة. على الجهة...
المزيد »
أحلام تطير.. وعواطف تغرق الشعب في الوهم
نحن أمام مرآة للحالة الشعبية التي يعيشها العرب: رجال ونساء، شباب وشيوخ، يتجمعون في ميدان الواقع كمتفرجين...
المزيد »
الوحي في مواجهة الوهم
تعبيرا عن مأساة العصر، يجلس الإنسان في حجرته حيث المعركة المصورة: المصحف مفتوحاً خلفه، كالمنقذ الذي يمد...
المزيد »
التطوع.. حينما يتحول الهمّ العام إلى همّ شخصي!
في لوحة تفضح الواقع بمرارة، يقف المتطوع وحيداً يحمل همّ تنظيف الحي على كتفيه، بينما يطل الجيران من شرفاتهم...
المزيد »
النظافة.. وصية القلوب قبل الأرصفة
النظافة الحقيقية تبدأ من الداخل، فمن نظف باطنه أضاءت له طرقاته، وسلمت علاقاته، وجملت حياته، فعندما تتحول...
المزيد »
قلوب بين يدي الخشوع
تقف الروح على أعتاب المناجاة، لكن القلب يسرح في عالم الدنيا وزخارفها. ففي لحظة "أثناء الصلاة" ينشغل المصلي...
المزيد »
القرآن... دم الحياة الذي ينبض في القلب
تجسيد رمزي لمعنى الحياة الحقيقية التي يهبها القرآن للروح كما يهب الدم الحياة للجسد.
المزيد »
مسلسلات
رمضان.. من موسم العبادات إلى موسم المسلسلات
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك