![]()
كاميرا الدماء.. دعم يغرق في الظلال الإعلامية
دكتور علاء اللقطة
كاميرا الدماء.. دعم يغرق في الظلال الإعلامية
في لوحة كاريكاتيرية حادة الرسم، تتراءى لنا صورة قاسية تجسد التناقض المؤلم بين الإعلام المهيمن والضحية المهمشة. هناك كاميرا عملاقة، سوداء الجسد وواسعة العدسة، تتربص كوحش إعلامي جاهز لالتهام اللحظات الحية. زرها الأزرق البارز يرمز إلى الضغط الإعلامي الذي لا يرحم، بينما فرشاتها البيضاء تذكرنا بمساحيق التمويه التي تغطي الحقيقة. هذه الكاميرا ليست مجرد أداة تصوير؛ إنها رمز للسيطرة الإعلامية التي تُحوّل المآسي إلى مادة ترفيهية، تُقدَّم للجمهور كـ”أخبار” معلبة، خالية من الروح الإنسانية.
أمام هذا الجبل الإعلامي، تقف فتاة صغيرة، هشة كورقة في عاصفة، ترتدي فستانًا ورديًا يتساقط منه دماء حمراء كالنار، تغرق أقدامها في بركة من الجراح المتدفقة. وجهها الخائف، بعيون واسعة وأذن أرنبية تضيف لمسة من البراءة الطفولية، يعكس الضحية البريئة في خضم النزاعات. بيدها كيس أصفر مكتوب عليه “دعم”، ماسكة إياه بيأس كأنه آخر خيط أمل في بحر الدمار. هذا الكيس ليس مجرد رمز؛ إنه سخرية مريرة من الوعود السياسية والمساعدات الدولية التي تُقدَّم كـ”دعم”، لكنها غالبًا ما تكون مجرد وهم يغرق في الواقع القاسي، تاركة الشعوب تنزف دون إنقاذ حقيقي.
يُبرز الكاريكاتير التباين الدرامي بين الحجم: الكاميرا الضخمة تمثّل الإعلام العالمي والقوى الكبرى التي تراقب وتصوّر، بينما الفتاة الصغيرة تجسّد الشعوب العربية، خاصة في سياق النزاعات الدامية كتلك في فلسطين أو غيرها، حيث يُغطَّى الدمار بالكاميرات لكن الدعم الحقيقي يبقى بعيد المنال. الخلفية البيضاء النقية تُعزِّز هذا التناقض، كأنها صفحة فارغة تنتظر كتابة التاريخ، لكنها ملطخة بدماء الواقع. هذا الرسم ليس مجرَّد سخرية؛ إنه صرخة أدبية ضد الإعلام الذي يُحوِّل المعاناة إلى محتوى، والدعم إلى مجرَّد كلمات على كيس أصفر. في عالم يغرق في الدم، هل تكفي الكاميرا لتوثيق الجرح، أم أنها جزء من الجرح نفسه؟ يدعونا الكاريكاتير إلى التفكير العميق في دور الإعلام: هل هو شاهد محايد، أم شريك في الصمت؟



