![]()
روجيه جارودي وكتاب “الإسلام وأزمة الغرب”
شهادة عقلٍ اهتدى وقلبٍ استنار
- كتب
في منتصف القرن العشرين، حين كانت الحضارة الغربية في ذروة ماديّتها وغطرستها الفكرية، خرج من قلبها صوت فريد يراجع المسار ويعيد النظر في المقدمات التي قامت عليها تلك النهضة الجبارة. كان ذلك الصوت هو الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، الذي لم يكن دخوله الإسلام مجرّد تحولٍ ديني، بل ثورة فكرية وروحية على منظومةٍ بأكملها.
في كتابه «الإسلام وأزمة الغرب»، يضع جارودي الغرب أمام مرآةٍ صادقة يرى فيها تناقضاته، ويقدّم الإسلام لا بوصفه نقيضًا للحضارة الحديثة، بل مخرجًا لها من مأزقها الأخلاقي والروحي الذي يوشك أن يبتلعها.
رحلة جارودي الفكرية: من الماركسية إلى الإيمان
لم يكن روجيه جارودي عابرًا في الفكر الغربي، بل أحد أبرز فلاسفته في النصف الثاني من القرن العشرين. وُلد عام 1913 في مرسيليا، واعتنق الشيوعية في شبابه، حتى صار من كبار منظّري الحزب الشيوعي الفرنسي. كتب عن “الواقعية الاشتراكية” وعن فلسفة التاريخ بمنهجٍ جدلي صارم، وظلّ لسنوات يؤمن أن الماركسية هي الخلاص الإنساني من الاستغلال والاغتراب.
لكن حين وقعت أحداث المجر عام 1956، بدأ الشكّ يتسرّب إلى قلبه، ثم جاءت تجربة الجزائر وثورة الإسلاميين فيها لتفتح أمامه بابًا جديدًا من التساؤل: كيف يحتفظ هؤلاء الناس، رغم ضعفهم المادي، بقوةٍ روحيةٍ تُمكّنهم من مقاومة أقوى الإمبراطوريات؟
وفي سبعينيات القرن الماضي، أخذ جارودي في مراجعة رؤيته للإنسان والعالم، حتى أعلن إسلامه سنة 1982، بعد رحلةٍ طويلة من التأمل في القرآن والسنّة وسيرة النبي ﷺ، ليُعلن للعالم أن العقل الغربي يمكن أن يجد ضالته في الهداية الإسلامية التي تجمع بين الإيمان والعمل، بين العلم والضمير، وبين الحرية والمسؤولية.
الإسلام كجواب على أزمة الغرب
في «الإسلام وأزمة الغرب»، لا يتحدث جارودي بلسان الواعظ أو الداعية، بل بلسان الفيلسوف الذي جرّب النماذج الحضارية الكبرى — من الرأسمالية إلى الشيوعية — واكتشف أنها جميعًا تلتقي في جوهرٍ واحد: تأليه المادة واستبعاد الله.
يرى أن أزمة الغرب ليست اقتصادية أو سياسية فحسب، بل أزمة معنى. فبعد أن حوّل الإنسان إلى آلة إنتاج واستهلاك، ضاع منه السؤال الوجودي: لماذا نعيش؟ ولأجل ماذا؟
يناقش جارودي هذه الأزمة من زوايا متعددة:
- الأزمة الأخلاقية التي حوّلت التقدم العلمي إلى وسيلةٍ للتدمير.
- الأزمة الثقافية التي جعلت الفن والإعلام أدواتٍ للتسليع لا للارتقاء.
- الأزمة الاجتماعية الناتجة عن التفكك الأسري واغتراب الإنسان عن ذاته.
ثم يقدّم الإسلام بوصفه منظومة متكاملة قادرة على إعادة التوازن بين المادة والروح. فالإسلام – كما يقول – لا يرفض التقدّم، لكنه يضعه في إطارٍ إنساني يراعي القيم العليا ويعيد إلى الإنسان مركزه في الكون باعتباره خليفةً لله في الأرض، لا سيدًا متجبرًا عليها.
منهج جارودي في النقد والحوار
تميّز جارودي بأسلوبٍ فلسفي رصين يجمع بين عمق التحليل وحرارة الإيمان. لم يكن هدفه أن يهاجم الغرب أو ينتصر للإسلام على خصومه، بل أن يفتح حوارًا حضاريًا صادقًا يلتقي فيه الشرق والغرب على أرضية إنسانية مشتركة.
كان يدرك أن الغرب لن يصغي إلى خطابٍ وعظي، بل إلى خطابٍ عقلاني من داخل منظومته الفكرية. لذلك استخدم أدوات الفلسفة الغربية نفسها في نقدها: استدعى ديكارت وكانط وماركس وهيغل ليبيّن كيف انتهت تصوراتهم عن الإنسان إلى فراغٍ روحي وعدميةٍ مدمّرة.
وفي المقابل، قدّم الإسلام كنظامٍ معرفي بديل، يتجاوز ثنائية الإيمان والعقل التي ورثها الغرب عن المسيحية المبتورة، ويُقيم علاقةً تكاملية بين العلم والغاية، بين الفرد والجماعة، وبين الحرية والقانون الإلهي.
لقد أراد جارودي أن يبرهن للعقل الغربي أن الإسلام ليس نقيضًا للتنوير، بل هو تنويرٌ من نوعٍ آخر، يحرر الإنسان لا من الله، بل من عبادة نفسه وشهواته.
بين النقد الحضاري والشهادة الإيمانية
الجميل في هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالتحليل الفكري، بل يحمل نَفَسَ الشهادة الإيمانية. فجارودي لا يكتب كأكاديمي بارد، بل كإنسان وجد الحقيقة بعد طول بحث، وكأنه يريد أن يشارك العالم فرح الاكتشاف.
كلماته تفيض بالصدق، ولغته مشبعة بالدهشة واليقين. يتحدث عن القرآن كمن يتذوقه للمرة الأولى، وعن سيرة النبي ﷺ كمن يرى فيها تجلّي المثال الإنساني الكامل.
وفي ثنايا الكتاب، يوجّه نقدًا جريئًا لسياسات الغرب الاستعمارية، ويكشف كيف أن أزمة الغرب الفكرية انعكست في سلوكه السياسي تجاه العالم الإسلامي، حيث تحوّل الدفاع عن “الحرية” إلى تبريرٍ للهيمنة.
لكن رغم حدّة نقده، يظل جارودي متمسكًا بالأمل في إمكانية التلاقي بين الحضارات، إذا ما تجاوز الغرب كبرياءه واستمع إلى صوت الروح الذي يحمله الإسلام.
أسلوب الكتاب وروح المؤلف
يتميز أسلوب جارودي في هذا الكتاب بمزيجٍ من البيان الفلسفي والعاطفة الإيمانية. فهو يكتب بعمق الفيلسوف الذي يتقن المنطق، وبحرارة المؤمن الذي عرف الطريق بعد ضياع.
تراه ينتقل من تحليل المفاهيم الكبرى – كالحرية والعقل والعلم – إلى استشهادٍ بآياتٍ قرآنية أو مواقف من السيرة النبوية، في انسجامٍ عجيب بين الفكرة والحسّ.
كما تبرز في كتابه روح الحوار، فهو لا يتحدث من موقع الاستعلاء، بل من موقع الباحث عن الحقيقة المشتركة بين بني الإنسان. هذه النزعة الإنسانية العميقة جعلت مؤلفاته تُترجم إلى لغاتٍ عديدة وتُدرّس في جامعاتٍ غربية وعربية على حد سواء.
الرسالة الجوهرية للكتاب
في نهاية المطاف، يمكن تلخيص رسالة «الإسلام وأزمة الغرب» في أن الحضارة المادية بلا إيمان تهلك، وأن الإيمان بلا علم يعجز.
لقد أراد جارودي أن يوقظ الغرب من غفلته، وأن يذكّر المسلمين بقيمة ما بين أيديهم. فالإسلام، كما يراه، ليس تراثًا جامدًا، بل مشروعًا حضاريًا مفتوحًا على المستقبل، قادرًا على أن يمنح الإنسانية نموذجًا جديدًا للنهضة، قوامه العدل والرحمة والتكامل بين العقل والوحي.
وهكذا، يقف هذا الكتاب شاهدًا على لحظةٍ فريدة في تاريخ الفكر الإنساني: لحظة التقاء عقلٍ غربيٍ عظيم بنور الإسلام، فانبثق منه خطابٌ جديد للإنسانية، لا يُقصي أحدًا، بل يدعو الجميع إلى اللقاء على كلمةٍ سواء.
- كلمات مفتاحية | الإسلام وأزمة الغرب, التنوير, الحوار بين الأديان, الفلسفة الغربية, روجيه جارودي



