كيف صنعنا القرن العشرين.. محاكمة الحضارة التي خانت الإنسان

يبدأ روجيه جارودي في كتابه «كيف صنعنا القرن العشرين» من سؤال وجودي عميق: كيف أمكن للإنسان أن يصنع أعظم قرن في تاريخه العلمي، ثم يجعل منه أكثرها دموية...
كيف صنعنا القرن العشرين.. محاكمة الحضارة التي خانت الإنسان

كيف صنعنا القرن العشرين.. محاكمة الحضارة التي خانت الإنسان

قرنٌ صنع الآلة ونسي الدين والروح والإنسانية

يبدأ روجيه جارودي في كتابه «كيف صنعنا القرن العشرين» من سؤال وجودي عميق: كيف أمكن للإنسان أن يصنع أعظم قرن في تاريخه العلمي، ثم يجعل منه أكثرها دموية وفقراً وانتحاراً روحيًّا؟
إنه لا يكتب هنا تأريخًا للقرن، بل يقدم محاكمة فكرية للحضارة الغربية التي أفرزته. كتابه ليس سجلًّا للأحداث، بل صرخة في وجه المنظومة التي جعلت الإنسان يُعبد السوق، ويقدّس الإنتاج، ويقيس الفضيلة بما تحققه البورصة لا بما يحمله الضمير.

بين الحضارة والتوحش: مفارقة القرن

يصف جارودي القرن العشرين بأنه القرن الذي أبدع في التقنية وأفلس في القيم. فمن رحم التقدم العلمي وُلدت القنبلة الذرية، ومن قلب الديمقراطيات نبتت النازية والفاشية، ومن شعارات الحرية انبثقت أعتى أشكال العبودية الجديدة: عبودية الإعلام، وعبودية المال، وعبودية الصورة.

يكتب جارودي في نبرة المفكر الذي عاين الكارثة من الداخل:

“إن الغرب صنع آلةً تملك كل شيء إلا المعنى، وأقام حضارة تملك كل الأجوبة إلا جوابًا عن سؤال: لماذا نحيا؟”

ويحمّل الفيلسوف الفرنسي مسؤولية هذه المفارقة لما يسميه “الإنسان الغربي المنقطع عن السماء”، الذي جعل نفسه مركز الكون، ففقد علاقته بالمطلق، وتحول من كائنٍ عابدٍ إلى مستهلكٍ أبديٍّ لا يرى في الوجود إلا مادة تُستغل أو تُباع.

أصول الكارثة: المادية التي أكلت روح الإنسان

يتتبع جارودي الجذور الفكرية للمأساة، فيبدأ من الفكر الديكارتي الذي فصل بين الإنسان والطبيعة، وجعل العقل هو الإله الجديد، ثم ينتقل إلى الرأسمالية التي حوّلت الاقتصاد إلى دينٍ أرضي، وخلقت ما يسميه “الإنسان ذي البُعد الواحد”، الذي يعيش ليستهلك ويموت دون أن يترك أثرًا من المعنى.

وفي فصوله التالية، يحاكم جارودي الفكر الماركسي الذي انتمى إليه يومًا، فيصفه بأنه “نقدٌ عظيم للرأسمالية فشل في تقديم بديلٍ روحي”. فالاشتراكية عنده لم تنقذ الإنسان من عبودية المال، بل بدّلتها بعبودية الحزب والدولة. وهكذا ظل القرن العشرين في دوّامةٍ من الأيديولوجيات، كلٌّ منها تَعِد بالخلاص، ثم تُنجب شكلاً جديدًا من الاستلاب.

الثقافة والإعلام.. أدوات التزييف الكبرى

يخصص جارودي مساحة واسعة من كتابه لنقد الثقافة الجماهيرية، تلك التي صنعتها السينما والإعلانات والإعلام. ففي رأيه، تحوّل الإنسان في القرن العشرين إلى “متفرّج دائم”، يرى الحياة عبر شاشة، ويفكّر كما يُملى عليه من أجهزة الدعاية.
ويصف الإعلام الحديث بأنه “كنيسة جديدة بلا إيمان”، تصنع الآراء كما تصنع البضائع، وتخلق واقعًا افتراضيًا يبتلع الوعي الحقيقي.

“لم يعد الإنسان يُفكّر ليعرف، بل ليستهلك ما يُقدّم له من معرفةٍ مصنّعة في مصانع الإعلام والربح.”

ويرى أن أخطر ما في هذا المشهد هو أن الفن ذاته لم يَسلم من الاستهلاك، فبدل أن يكون الفن بحثًا عن الجمال والحق، أصبح صناعة تجارية خاضعة لمزاج السوق. هكذا خسر القرن روحه التي كانت تُنجب ديكارت وفولتير وبيكاسو، ليكسب ملايين الصور السطحية التي لا تقول شيئًا.

الإسلام كأفق إنقاذي

في القسم الأخير من الكتاب، يُطلّ جارودي برؤيته التي وُلدت من إيمانه الجديد بالإسلام. فبعد أن جرّب كل الفلسفات الغربية، وجد في الوحي الإلهي ذلك الاتزان المفقود بين المادة والروح، بين العقل والقلب.
يرى أن الإسلام يقدم الإنسان المتوازن الذي لا يُلغيه المجتمع ولا تبتلعه الدولة ولا تُسقطه الشهوة. إن وعد الإسلام – كما يقول – ليس في أنه دينٌ شرقيٌّ جديد، بل في أنه رؤية كونية تصالح الإنسان مع نفسه ومع خالقه ومع العالم.

يكتب في ختام الكتاب كلمات تشبه وصيته الفكرية:

“لقد صنعنا القرن العشرين بأيدينا، فحوّلناه إلى جحيم من التقدم المريض. لكن الإنسان لا يُنقذ إلا حين يستعيد وعيه بوحدته الكبرى مع الله ومع الخلق، وهذا ما تعلّمتُه من الإسلام.”

روجيه جارودي.. رحلة العقل إلى الإيمان

لم يكن جارودي مجرد فيلسوف، بل ضميرًا غربياً استيقظ متأخرًا. وُلد عام 1913، وتخرّج في السوربون، واعتنق الماركسية وهو في ريعان شبابه، حتى صار نائبًا في البرلمان الفرنسي وناطقًا باسم الحزب الشيوعي. لكن الصدمات الفكرية والسياسية التي عاشها، خصوصًا بعد غزو المجر عام 1956، جعلته يعيد النظر في كل شيء.
انتقل من الإلحاد إلى المسيحية، ثم وجد في الإسلام الجواب الأخير عن أسئلته الوجودية، فأسلم عام 1982، وأصبح أحد أبرز المفكرين المسلمين في أوروبا الحديثة.

وقد اتسمت مؤلفاته بعد إسلامه بنبرةٍ إنسانيةٍ عميقة، تجمع بين الفلسفة والعقيدة، وبين النقد الحضاري والدعوة إلى التوازن الإيماني. فكتابه «كيف صنعنا القرن العشرين» هو بمثابة بيان توبة حضاري، واعتراف فكري من قلب الغرب بأن الحضارة التي فقدت معناها لا تُصلح العالم.

في خلاصة المعنى

ليس هذا الكتاب درسًا في التاريخ بقدر ما هو مرآة لضميرٍ يبحث عن الخلاص. إنه يضع الغرب أمام صورته الحقيقية، ويضع الإنسان المعاصر أمام سؤالٍ لا يزول: هل يمكن لحضارةٍ بلا إيمان أن تُنقذ الإنسان؟
جواب جارودي واضح، حادّ، وصادق: لا. لأن التقدم الذي لا يعرف الله يصنع الآلة لا الإنسان، ويشيّد المدن لكنه يدمّر القلب.

ذات صلة
مشاورات الرسول (ص) لأصحابه في الغزوات
الشورى في اللغة : الشورى والمشورة بضم الشيـن أي شاوره في الأمر( 1 ) إما مفهوم الشورى في اللغة فهو استخراج...
المزيد »
براهين الإيمان..
يطلّ كتاب "براهين الإيمان" للدكتور عبد المجيد الزنداني، لا ليقتصر على ترديد  خطاب وعظي تقليدي، بل لينطلق...
المزيد »
"حتى الملائكة تسأل".. دعوة لإعادة التفكير في علاقتنا بالدين
في زاوية من زوايا الروح، حيث تتقاطع الأسئلة مع الإيمان، وتلتقي الحيرة مع اليقين، وُلد كتاب "حتى الملائكة...
المزيد »
الإسلام في قفص الاتهام
حين يتحدث المؤرخ لا بوصفه ناقلًا للوقائع بل بوصفه شاهدًا على الفكرة، تتخذ كلماته طابع الشهادة الحضارية....
المزيد »
حوار الحضارات
خرج المفكر الفرنسي روجيه جارودي بكتابه حوار الحضارات ليقترح طريقًا  يمكن أن يسلكه العالم بديلا عن طريق...
المزيد »
من هنا نعلم
وضع الشيخ محمد الغزالي في كتابه "من هنا نعلم"  للعقل المسلم بوصلةً تهديه، وللقلب منهجًا يزكّيه، وللمجتمع...
المزيد »
روجيه جارودي وكتاب "الإسلام وأزمة الغرب"
في منتصف القرن العشرين، حين كانت الحضارة الغربية في ذروة ماديّتها وغطرستها الفكرية، خرج من قلبها صوت...
المزيد »
وعود الإسلام.. حين استعاد جارودي إنسانيته بين يدي الوحي
لم يكن روجيه جارودي من أولئك الذين يعتنقون الإسلام بحثًا عن ملاذ نفسي أو خلاصٍ ديني فحسب، بل كان رحلة...
المزيد »
رحلة «الله يتجلى في عصر العلم» في مصالحة الإيمان مع المنطق
عندما يطغى وهج الاكتشافات المادية، فتنقسم الساحة الفكرية بين مُؤلهٍ للعلم يرى فيه المنهج الوحيد للمعرفة،...
المزيد »
الإيمان المتوازن.. كيف يبني العقل والقلب معًا يقين الإنسان؟
كيف نعيش إيمانًا لا تقشعر له جوانب القلب، ولا يتزلزل بنيان العقل؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يخوض غماره...
المزيد »
بشائر النبوة الخاتمة.. رحلة اليقين في دلائل ختم الرسالات
كتاب "بشائر النبوة الخاتمة"  للدكتور رؤف شلبي من الكتب الهامة التي تعيد  إلى القلوب طمأنينتها وإلى العقول...
المزيد »
الخصائص العامة للإسلام.. الملامح الكبرى للدين الخالد
في كتابٍ من أروع ما كتب في الفكر الإسلامي الحديث، يقدّم الدكتور يوسف القرضاوي رؤيته العميقة لجوهر الإسلام...
المزيد »
النبأ العظيم.. قراءة عميقة في الظاهرة القرآنية
يقف الدكتور محمد عبد الله دراز، في كتابه النبأ العظيم، وقفة العالِم المتأمل أمام معجزة الوحي، لا كمن...
المزيد »
الإسلام بين الشرق والغرب
في كتابه الفريد «الإسلام بين الشرق والغرب»، يرسم علي عزت بيجوفيتش لوحة فكرية مدهشة تجمع بين الفلسفة والتاريخ...
المزيد »
النقاشات الدينية والفكرية في الحالة العربية: مداخل للفهم والمقاربة
يعرف المشهدُ الثقافي العربي والإسلامي بين الفينة والأخرى بروزَ مجموعة من القضايا الدينية والفكرية، التي...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك