![]()
رمضان.. حوار الأرض والسماء في محراب الصوم
محمد الشرشابي
رمضان.. حوار الأرض والسماء في محراب الصوم
يأتي رمضان كموكبٍ من نور، يحمل في طيّاته أعذب لحظات الروح، ويفتح للمؤمنين أبواب السماء. هو شهر القرآن والقيام، وشهر العتق من النار، بل هو قلب العام الإسلامي النابض بالحياة الإيمانية. سُمّي رمضان من «الرمضاء»؛ أي شدّة الحر، لأن العرب سمّوه زمن الحرّ الشديد، وكأنّ حرارته أصبحت رمزًا لتطهير النفوس من أدران الذنوب، وإشعال جذوة الإيمان في القلوب.
خصّه الله بفضائل لم تُعطَ لغيره من الشهور، فقال سبحانه: «شهر رمضان الذي أُنزِل فيه القرآن هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان»، ففيه ابتدأ نزول الوحي على النبي ﷺ، لتُضاء به ظلمات الأرض بنور السماء. وفيه ليلةٌ هي تاج الليالي، ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، تتنزل فيها الملائكة والروح بالسلام، وتُقدَّر فيها الأرزاق والآجال.
رمضان هو مدرسة التزكية الكبرى؛ فيه تصوم الجوارح عن المعاصي، وتتهذّب النفوس بالصبر والإنفاق والذكر. قال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وفيه من الأسرار ما لا تدركه إلا القلوب الخاشعة، فهو موسم التوبة الجماعية، وميدان العطاء للمحرومين، وملتقى الأرواح في صلاة التراويح التي توحّد صفوف الأمة على محراب واحد.
كما شهد هذا الشهر المبارك أعظم الانتصارات الإسلامية، ففيه كانت غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، حين نصر الله عباده القلّة على جموع الكافرين، ليظلّ رمضان رمزًا للنصر بعد الصبر، وللعزيمة بعد الجوع والعطش. وفيه أيضًا فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، الحدث الذي أشرق فيه وجه الإسلام بتمامه، وأعلن انتصار الرحمة على الجاهلية.
رمضان ليس مجرد أيامٍ تُعدّ، بل هو رحلة تطهيرٍ شاملة تعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، فيخرج منه وقد اغتسل قلبه بالدموع، وتنوّرت روحه بالقرآن. هو شهر اللقاء بين الأرض والسماء، وموسم الارتقاء بالعبادة من عادةٍ إلى عبوديةٍ خالصة.
- كلمات مفتاحية | الإيمان, التراويح, التوبة, الزكاة, الشهور الهجرية, الصيام, القرآن الكريم, رمضان, غزوة بدر, فتح مكة, ليلة القدر



