![]()
جمادى الأولى.. شهر الثبات والذكريات الخالدة
محمد الشرشابي
جمادى الأولى.. شهر الثبات والذكريات الخالدة
شهر جمادى الأولى الذي يمثل نفحة من عبير التاريخ الإسلامي، يحمل في طيّاته ملامح البطولة واليقين، ويذكّر الأمة بأيام صنعت مجدها ورفعت رايتها بين الأمم. و«جمادى» في اللغة مأخوذة من الجمود، لأن الماء كان يجمد في زمن تسميتها حين اشتدّ البرد، فغدت دلالتها شاهدًا على قِدم التاريخ العربي وارتباطه بتقلّبات الطبيعة والمواسم.
ولئن لم يُذكر لجمادى الأولى فضلٌ تعبديّ مخصوص في النصوص الشرعية كرمضان أو ذي الحجة، إلا أنّ فضله متجلٍ في ما شهده من وقائع عظيمة وأحداث مباركة خلدها التاريخ الإسلامي. ففي هذا الشهر من السنة الثامنة للهجرة وقعت غزوة مؤتة، تلك الملحمة البطولية التي سطر فيها جيش المسلمين ثلاثية التضحية والثبات، إذ قادها زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم جميعًا، وسقطوا شهداء واحدًا بعد الآخر، فكانت مؤتة عنوانًا للعزيمة الراسخة رغم قلّة العدد والعدة أمام جيش الروم الجرار.
وفي جمادى الأولى من العام الحادي عشر للهجرة أصيبت الأمة بالفاجعة الكبرى، وفاة الصديق جعفر الطيار في مؤتة، ثم بعدها بأعوام قلائل كانت وفاة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي خُتمت في أيامه صفحات من أزهى العصور عدلاً ونورًا. كما شهد هذا الشهر قيام خلافة علي بن أبي طالب في بعض الروايات التاريخية، وبداية مرحلة جديدة من فجر الإسلام السياسي والفكري.
إنّ التأمل في أيام جمادى الأولى يورث القلب خشوعًا واعتبارًا؛ فهو شهر الثبات في الميدان، والصبر على البلاء، والوفاء بالعهد. تتجدد فيه ذكرى رجالٍ باعوا أنفسهم لله، فخلّد الله أسماءهم في سجل المجد الأبدي. وهو أيضًا شهرٌ للتذكير بدوام سنن الله في النصر والتمكين، وأنّ الأمة التي تحفظ تاريخها وتستقي من دروسه تبقى حيّة القلب، ناهضة الهمة، متصلة بجذور عزتها.
فليكن جمادى الأولى موعدًا لليقظة والتأمل، نستحضر فيه سيرة الأبطال ونستمد من صبرهم زاد الطريق، علّ الأمة تعود كما كانت: راية هدى ونورًا للعالمين.



