![]()
وعود الإسلام.. حين استعاد جارودي إنسانيته بين يدي الوحي
- كتب
لم يكن روجيه جارودي من أولئك الذين يعتنقون الإسلام بحثًا عن ملاذ نفسي أو خلاصٍ ديني فحسب، بل كان رحلة عقلٍ متوهج، ومغامرة فكرٍ لا تهدأ حتى تلامس الحقيقة في أنقى صورها. من الفلسفة الماركسية التي تشبّع بها حتى العظم، إلى المنعطف الإيماني الذي غيّر مجرى حياته، كتب جارودي «وعود الإسلام» ليقدّم شهادته الكبرى على أن هذا الدين لا يقف عند حدود الطقوس، بل يقدّم وعدًا كونيًا بميلاد إنسان جديد: حرّ، واعٍ، ومسؤول عن إعمار الأرض بالعدل والجمال.
فصول الكتاب: شهادة عقلٍ وجد خلاصه
يبدأ جارودي كتابه برؤية تأملية للغرب الذي فقد بوصلته الروحية، وانغمس في مادية جعلته ـ كما يقول ـ “حضارة بلا قلب”. وفي مقابل هذا الانهيار الأخلاقي، يقدّم الإسلام بوصفه المشروع الإنساني القادر على الجمع بين الإيمان والعقل، بين الحرية والمسؤولية، بين الفرد والجماعة، دون أن يفقد أحدُ الطرفين جوهره.
في الفصول الأولى، يستعرض الكاتب تجربته الفكرية الطويلة مع الفلسفات المادية، وكيف قادته إلى مأزق وجودي جعل العقل يطلب ما هو أسمى منه. فيقول في نبرة الصادق العائد:
“كنت أبحث عن معنى للإنسان في عالمٍ صُنِع على مقاس الآلة، حتى وجدت في الإسلام الإنسان الذي خُلِق ليكون خليفةً لا ترسًا في آلة الإنتاج.”
ثم ينتقل جارودي إلى تحليل المنظور الإسلامي للكون والتاريخ، مؤكّدًا أن الإسلام ليس دينًا منغلقًا على أتباعه، بل خطابًا للعالمين، يحرّر الإنسان من عبودية الشهوات كما يحرّره من عبودية الأنظمة. ويرى أن هذا هو الوعد الأول للإسلام: التحرر الشامل، الذي يعيد للإنسان كرامته المهدورة في زحمة السوق الاستهلاكي.
بين وعد العدالة ووعد الجمال
في القسم الأوسط من الكتاب، يربط جارودي بين العدالة الاجتماعية والإبداع الفني في الإسلام، فيقول إن الفن الإسلامي لم يكن ترفًا بصريًا، بل تعبيرًا عن رؤية كونية توحِّد بين الجمال والإيمان. وهنا يستعرض أثر التوحيد في بناء حضارة ترفض الفصام بين المادة والروح، بين العلم والدين، بين الجسد والروح.
ويستفيض في نقده للحضارة الغربية التي اختزلت الإنسان إلى “مستهلك دائم”، مقابل الإنسان المسلم الذي يُطالَب بالعمل الصالح بوصفه عبادةً تُكرّس المعنى. إنه الوعد الثاني للإسلام: أن يعيش الإنسان في تناغم مع الكون، لا في صراع معه.
الإسلام كأفق حضاري جديد
أما الوعود الأخيرة التي يتحدث عنها جارودي، فهي تلك التي تجعل من الإسلام رؤية للمستقبل لا للماضي. فالإسلام في نظره ليس حنينًا إلى الصحراء، بل مشروعًا للغد الإنساني القادر على تجاوز أزمات القرن العشرين وما بعده: أزمة البيئة، أزمة الاستلاب، وأزمة المعنى.
لقد رأى جارودي في الإسلام الخريطة التي يمكن للبشرية أن تهتدي بها في زمن العمى الفكري، لأنه يعيد وصل الإنسان بخالقه، والفكر بالفعل، والحق بالرحمة.
“حين قرأت القرآن”، يقول، “لم أجد كتابًا يطلب الإيمان فقط، بل يطالب الإنسان أن يعمل للعدل كما يعمل للصلاة، وأن يبني الأرض كما يبني صلته بالله.”
روجيه جارودي: سيرة الباحث عن المعنى
وُلد جارودي عام 1913 في مرسيليا، وتخرّج في الفلسفة بجامعة السوربون، ثم انتمى للحزب الشيوعي الفرنسي، وصار من أبرز منظّريه. لكنه ما لبث أن تمرّد على دوغمائية الفكر الماركسي، فراح يبحث عن رؤية إنسانية أشمل. انتقل من المادية إلى المسيحية، ومنها إلى الإسلام في العام 1982، ليجد في رحاب الإيمان الإسلامي السكينة التي حُرم منها عقله المتمرّد.
كتب بعد إسلامه سلسلة من المؤلفات التي أعادت قراءة الغرب من منظور إنساني جديد، من بينها «الإسلام وأزمة الغرب»، «كيف صنعنا القرن العشرين»، «حوار الحضارات»، و*«وعود الإسلام»* الذي مثّل ذروة نضجه الفكري والعقائدي، إذ جمع فيه خلاصة تجربته: الإسلام ليس نقيضًا للحضارة، بل خلاصًا لها.
بين الوعد والواقع
ما أراده جارودي من كتابه لم يكن دعوة وعظية، بل نداءً فلسفيًا إلى ضمير الإنسان المعاصر. فالإسلام عنده وعد، لكنه مشروط بقدرة المسلمين أنفسهم على تحقيق هذا الوعد في حياتهم: وعد الحرية، وعد العدالة، وعد الجمال، وعد الرحمة. وإذا فشل المسلمون في أن يكونوا شهداء على الناس، فإنهم يُضيّعون لا وعدهم فقط، بل وعد البشرية كلها.
- كلمات مفتاحية | الإسلام في الغرب, الإسلام وأزمة الغرب, حوار الحضارات, روجيه جارودي, وعود الإسلام



