![]()
الإيمان المتوازن.. كيف يبني العقل والقلب معًا يقين الإنسان؟
قراءة في كتاب "ركائز الإيمان بين العقل والقلب" للشيخ محمد الغزالي
الإيمان المتوازن.. كيف يبني العقل والقلب معًا يقين الإنسان؟
قراءة في كتاب "ركائز الإيمان بين العقل والقلب" للشيخ محمد الغزالي
- كتب
كيف نعيش إيمانًا لا تقشعر له جوانب القلب، ولا يتزلزل بنيان العقل؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يخوض غماره المفكر الإسلامي الراحل الشيخ محمد الغزالي في كتابه “ركائز الإيمان بين العقل والقلب”.
لا يأتي الكتاب كمحاضرة دينية تقليدية، بل كمشروع وجودي يهدف إلى رأب الصدع بين قطبين اللذين ظلما لسنين طوال: عقل جاف يحسب أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وقلب منفعل يخشى مجرد النظر في الأدلة. من خلال هذا الكتاب، يقدم الغزالي رؤيته للإيمان كمملكة واحدة، يحكمها ملكان: العقل والقلب، لا يتنازعان بل يتعاضدان.
تشريح طبيعة الإيمان المركبة
يضعنا الغزالي منذ البداية أمام حقيقة مفادها أن الإيمان ليس كيانًا بسيطًا يمكن اختزاله في شعور أو فكرة. في الفصل الأول من كتابه، “الإيمان.. حقيقة وتركيب”، يقوم بتشريح دقيق لهذه الظاهرة الإنسانية المعقدة. يرفض المؤلف ثنائيات “إما العقل أو القلب”، ويؤكد أن الإيمان الحقيقي يشبه الكائن الحي: العقل هو الهيكل العظمي الذي يمنحه البنية والثبات، والقلب هو اللحم والدم الذي يمنحه الدفء والحياة. إيمان بلا عقل هو عاطفة طائشة تذروها رياح الشك، وإيمان بلا قلب هو فلسفة جافة لا تروي ظمأ الروح. الهدف النهائي هو تحقيق “التكامل” الذي ينتج “يقينًا” يشبع كامل كيان الإنسان.
من الفطرة إلى البرهان: الرحلة إلى الإيمان بالله
ينتقل بنا الغزالي بعد تأسيس المفهوم إلى أولى الركائز العملية، وهي “الإيمان بالله”. هنا لا يبدأ من نقطة الصفر، بل من اكتشاف ما هو مُغْرَسٌ فينا بالفطرة. يستحضر “دليل الفطرة” الذي يجعل القلب ينزع تلقائيًا إلى الاعتراج بوجود خالق، خاصة في لحظات الضعف والخشوع. لكنه لا يترك الأمر عند هذا الحد، بل يعمد إلى ترسيخ هذه الفطرة ببناء عقلي متين. يستعرض بأسلوب واضح “الأدلة العقلية” الكلاسيكية كدليل النظام في الكون (الغائي) ودليل العلة الأولى (الكوني)، ليُظهر أن العقل السليم، بعيدًا عن التعقيدات الفلسفية، يسير في طريق واحد ينتهي إلى وجود الإله الواحد الأحد.
عالم الغيب: منطق الوجود الخفي وضرورته
ربما يكون الإيمان “بعالم الغيب”، ممثلًا في الملائكة، هو التحدي الأكبر للعقل الحديث المعتاد على المحسوسات. في هذا المحور، الذي يستند إلى فصل “عالم الغيب والملائكة”، يقدم الغزالي حجة ذكية. يرى أن وجود الملائكة ليس مجرد قصة أسطورية، بل هو “ضرورة عقلية” في نسق الكون المنطقي. إذا كان هناك خالق عظيم، فمن المنطقي أن يكون له وسائط لتنفيذ أمره وإيصال وحيه إلى خلقه. هكذا يصبح الإيمان بالملائكة هو “الجسر” الذي يفسر ظاهرة الوحي، ويجعلها مقبولة في الإطار العقلي، دون أن يعني ذلك أننا نستطيع إدراك كنه هذا العالم الذي يظل غيبيًا بحتًا.
الوحي والتشريع: حكمة الرسل والكتب السماوية
من عالم الملائكة الغيبي، ننتقل إلى تجلياته في عالم الشهادة عبر “الرسل والكتب”. يبرهن الغزالي على أن الحاجة إلى الرسل هي حاجة بشرية أصيلة. فالعقل البشري، رغم رشده، عاجز عن وضع تشريعات كاملة وعادلة لجميع مناحي الحياة، وعاجز عن معرفة التفاصيل الدقيقة للغيب. هنا تبرز “حكمة البعثة”: إرسال رسل من البشر ليكونوا قدوة عملية، وتنزيل كتب تكون منهجًا ثابتًا للهداية. ويخصص الغزالي مساحة كبيرة للحديث عن “القرآن” كمعجزة خالدة، لا في بلاغتها فقط، بل في إخبارها بالغيب وتحديها للبشر أن يأتوا بمثله، مما يقدم دليلًا عمليًا على صدق مصدره الإلهي.
القدر: أعقد الإشكاليات وأروع الحلول
لا شك أن محطة “القضاء والقدر” هي الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بل والإنساني كله. في هذا القسم، الذي يستند إلى فصل مستقل في الكتاب، يخوض الغزالي في قلب المعمعة برؤية توافقية رائعة. يرفض طرفي الإفراط والتفريط: رفض “الجبر” الذي يسلب الإنسان إرادته ويجعله كالريشة في مهب الريح، ورفض “الاختيار المطلق” الذي يجعل الإنسان شريكًا لله في الخلق. الحل الوسط الذي يقدمه هو نظرية “الكسب” الأشعرية المعدلة، حيث يؤكد أن الله هو خالق الفعل، ولكن الإنسان هو الذي يكتسبه باختياره وإرادته، وبالتالي يتحمل مسؤوليته الكاملة عنه. كما يوضح أن “علم الله السابق” بحوادث الكون لا يجبر الإنسان على فعلها، بل هو إحاطة من الله بكل شيء، بما في ذلك الخيارات التي سنختارها نحن بأنفسنا.
العدالة المطلقة: اليوم الآخر كخاتمة منطقية للوجود
يختم الغزالي رحلته الفكرية بأهم ركيزة تُعطي للحياة معناها الأعمق: “الإيمان باليوم الآخر”. هنا يقدم الحجة الأخلاقية العظيمة. يتساءل: أين تذهب العدالة في دنيا يموت فيها الظالم والمظلوم، والقوي والمستضعف، دون أن ينال كل ذي حق حقه؟ الإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار هو “الحل الوحيد” الذي يحقق العدالة المطلقة، ويجعل للصراع بين الخير والشر في الدنيا مغزى حقيقيًا. إنه لا يطمئن القلب فحسب، بل يقنع العقل أيضًا بأن هذه الحياة الدنيا ليست سوى محطة اختبار، وأن المحطة النهائية هي حيث تتحقق كمالات العدل والحكمة الإلهية.
نحو شخصية مؤمنة متكاملة
ليس الهدف النهائي من كل هذا التحليل الفلسفي والديني هو الترف الفكري، بل هو “بناء الشخصية المؤمنة المتوازنة”. هذه هي الخلاصة التي يريد الغزالي إيصالها. إن الإنسان الذي يستوعب هذه الركائز بهذا الفهم المتكامل، يصبح إنسانًا مختلفًا: عقله منير مستنير، وقلبه مطمئن معمور، وسلوكه إيجابي فاعل. إنه إيمان لا يدفع إلى الانزواء، بل إلى عمارة الأرض، ولا يدفع إلى التعصب، بل إلى التسامح والحكمة. بهذا يكتمل مشروع الغزالي: إعادة تعريف الإيمان ليس كمجرد عقيدة في الذهن، بل كقوة دافقة للحياة، تطلق طاقات العقل والقلب معًا في انسجام تام نحو غاياتهم السامية.
- كلمات مفتاحية | الإيمان المتوازن, الشيخ محمد الغزالي, ركائز الإيمان بين العقل والقلب



