![]()
الإسلام بين الشرق والغرب
رؤية حضارية تتجاوز الصدام
- كتب
في كتابه الفريد «الإسلام بين الشرق والغرب»، يرسم علي عزت بيجوفيتش لوحة فكرية مدهشة تجمع بين الفلسفة والتاريخ والإنسانية، ليقدّم من خلالها رؤية الإسلام كمنهج متكامل يتجاوز حدود الجغرافيا والتقاليد، جامعًا بين الروح والمادة، والعقل والوحي، والفكر والعمل.
إنها ليست دراسة أكاديمية تقليدية، بل رحلة فكرية عميقة في قلب الحضارة الإنسانية، كتبها رجل عاش تجربة الصراع بين الشرق والغرب واقعًا لا نظرًا، فسجنته الشيوعية، وحاربته المادية الغربية، ثم جعل من الإسلام خلاصًا وموقفًا حضاريًا.
الإسلام كجسر بين عالمين
ينطلق المؤلف من تساؤل محوري: لماذا يقف الإنسان المعاصر بين نقيضين؟ بين الشرق الروحي الغارق في التأمل والعزلة، والغرب المادي المهووس بالعلم والقوة.
يؤكد بيجوفيتش أن الإسلام ليس طرفًا ثالثًا بين هذين العالمين، بل جسر يجمع بينهما، لأنه لا يفصل الروح عن الجسد، ولا الإيمان عن العقل، بل يجعل من الإنسان كائنًا ذا طبيعة مزدوجة تتكامل فيها السماء والأرض.
فالإنسان في نظر الإسلام ليس ملاكًا ولا حيوانًا، بل مخلوق حرّ مكلّف قادر على الارتقاء أو السقوط، وهذا الوعي الإنساني بالحرية والمسؤولية هو جوهر الحضارة الإسلامية.
بين الدين والثقافة
في القسم الأول من الكتاب، يتناول بيجوفيتش العلاقة بين الدين والثقافة، مبينًا أن الحضارة الحقيقية لا تُبنى على العلم وحده، بل على الإيمان الذي يمنح العلم غايته الأخلاقية.
يقول إن الثقافة تعبير عن روح الإنسان، بينما الحضارة ثمرة ليده، وإن المجتمعات التي تفصل بينهما تُصاب بالاضطراب، لأن العلم بلا قيم يتحول إلى أداة تدمير.
ويضرب مثالًا على ذلك بالحضارة الغربية الحديثة التي حققت التقدّم المادي لكنها فقدت البوصلة الأخلاقية، فغدا الإنسان فيها آلة تنتج وتستهلك دون معنى.
أما الإسلام، فيراه حضارة ذات ضمير، لأن العلم فيه عبادة، والعمل فيه عبور إلى الله عبر خدمة الخلق.
الإنسان بين المادية والروحية
يكرّس بيجوفيتش جزءًا واسعًا من الكتاب لتحليل طبيعة الإنسان بوصفه محور الوجود.
ويُبرز أن المدارس الفلسفية الغربية نظرت إلى الإنسان من جانب واحد: فالمادية جعلته جسدًا بلا روح، والمثالية جعلته روحًا بلا جسد.
أما الإسلام، فجمع بين النظرتين في وحدة متناسقة، ترى الإنسان خليفةً لله في الأرض، يسعى للارتقاء بالعلم والعمل، دون أن ينسى أن له روحًا تتوق إلى الخلود.
هذه الثنائية — في نظره — ليست ضعفًا، بل سرّ التفوق الإسلامي، لأنها تجعل الإنسان واعيًا بتناقضه، ومسؤولًا عن اختياره بين الخير والشر.
الغرب… القوة بلا رحمة
يُجري المؤلف مقارنة عميقة بين الفكر الغربي الحديث وبين التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع.
فالغرب، برأيه، قد بنى حضارته على العقل والعلم، لكنه فقد الإيمان الذي يضبط القوة، فتحوّل التقدم إلى وحش تقني يهدد الوجود الإنساني نفسه.
ويرى أن الإلحاد المادي في الغرب ليس رفضًا لله بقدر ما هو رفض للمعنى، فحين يُستبعد الإيمان، تضيع الغاية، ويصبح الإنسان سيدًا بلا هدف.
وفي المقابل، لا يدعو الإسلام إلى رفض العلم أو المدنية، بل إلى تسخيرها في خدمة الإنسان لا العكس، وجعل التقدم وسيلة للارتقاء لا للهيمنة.
الشرق… الروح بلا فعل
أما الشرق التقليدي، كما يصوّره بيجوفيتش، فقد غرق في الروحانية السلبية، فاعتزل الحياة باسم الزهد، وترك الأرض للمستكبرين.
وهو يوجّه نقدًا حادًا للطرق الصوفية التي انسحبت من الواقع، معتبرًا أن الزهد الحقيقي هو ضبط النفس لا ترك العالم، وأن العبادة الحقّة لا تكتمل إلا بالعمل.
إن الإسلام، في جوهره، لا يقبل بالانكفاء ولا بالمادية الجوفاء، بل يدعو إلى توازن يبعث الحياة في الروح، والروح في الحياة.
فصول الكتاب وأفكاره الكبرى
ينقسم الكتاب إلى مقدمة وثلاثة أقسام رئيسية:
-
الإنسان والدين: يشرح فيه كيف نشأ الإيمان من حاجة الإنسان للمعنى، وكيف أن الدين ليس خرافة بل ضرورة وجودية.
-
الثقافة والحضارة: يقدم فيه تحليله الشهير للفرق بينهما، موضحًا أن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي حققت الانسجام بين العلم والإيمان.
-
الإسلام والتاريخ: يستعرض فيه كيف تجسّد هذا التوازن في تجربة المسلمين الأوائل، ثم كيف انحرف حين تمزّق الوعي بين تقليد الغرب والانغلاق على الماضي.
ويُختتم الكتاب بفصل مفعم بالأمل يرى فيه أن مستقبل الإنسانية رهين بإحياء القيم الإسلامية التي توازن بين العقل والإيمان، وبين الحرية والمسؤولية.
أسلوب بيجوفيتش ومنهجه الفكري
يكتب علي عزت بيجوفيتش بأسلوب فلسفي أدبي راقٍ يجمع بين عمق المفكر وحرارة المؤمن.
لغته مشبعة بالتأمل، لكنها واضحة للقارئ العام، ونبرة الكتاب تحمل صدق التجربة، إذ يتحدث رجلٌ عركته السجون وحروب البوسنة، لا منظّر يعيش في برج عاجي.
ومنهجه قائم على المقارنة والتحليل لا على الوعظ، إذ يستخدم الفلسفة الغربية نفسها ليبرهن أن الإسلام هو الطريق الوحيد لإنقاذ الإنسان من التشيؤ والضياع.
إنه كتاب يجمع بين العقلانية والروحانية، بين الحجة والعاطفة، حتى ليبدو كـ بيان حضاريّ ضد عبث العصر الحديث.
الرسالة الجوهرية
يريد بيجوفيتش أن يقول: الإسلام ليس دين الشرق ولا الغرب، بل دين الإنسان.
فهو المنهج الذي يوفّق بين المادة والروح، بين الفرد والجماعة، بين الحرية والنظام.
وإذا كانت الحضارة الغربية قد أبدعت في التقنية لكنها فقدت المعنى، وإذا كان الشرق قد حفظ الروح لكنه أهمل العمل، فإن الإسلام هو الطريق الثالث الذي يعيد التوازن إلى العالم.
إن «الإسلام بين الشرق والغرب» ليس مجرد كتاب، بل صرخة حضارية تدعو الإنسان المعاصر إلى أن يستعيد إنسانيته بالإيمان والعقل معًا.
- كلمات مفتاحية | الإسلام بين الشرق والغرب, التفوق الإسلامي, الحرية والنظام, الدين والثقافة, المفكر, رؤية حضارية, غلي عزت بيجوفيتش



