![]()
ربيع الآخر.. بين رحيل العظماء وتحولات الدول
محمد الشرشابي
ربيع الآخر.. بين رحيل العظماء وتحولات الدول
يطلُّ علينا شهر ربيع الثاني، أو ربيع الآخر كما سمّاه القدماء، كنسمة هادئة في فصول العام الهجري، يحمل في طياته عبق الأيام المشرقة من ذاكرة الأمة، ويمدّنا بإشارات روحانية تذكّرنا بأن الزمن ليس مجرّد توالي أيام، بل هو سجلّ للأحداث ومعبرٌ للمعاني. فكما جعل الله الشهور الهجرية مواقيت للعبادة ومراحل للعمران، جعلها كذلك محطات لتسطير المواقف العظيمة التي صنعت للأمة مجدها وكيانها.
ورغم أنّ فضل ربيع الثاني لم يُذكر في النصوص كفضل بعض الأشهر الحرم، إلا أنّه ظلّ مهيب الحضور في الوعي الإسلامي، إذ شهد من الوقائع ما أرسى جذور الدولة الإسلامية ورسّخ معالم حضارتها. ففيه سنة 11 هـ، أسدل الستار على حياة الصدّيق الأكبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أول الخلفاء الراشدين، الذي حمل راية الرسالة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بثبات، فحفظ للأمة وحدتها، وأطفأ نار الردّة، وجمع الناس على كلمة سواء. برحيله في هذا الشهر طويت صفحة من صفحات النقاء والوفاء، ليظلّ ذكره منارة للقيادة الراشدة.
وفي هذا الشهر أيضاً من سنة 132 هـ، سقطت الدولة الأموية بعد أن حكمت ما يقرب من تسعين عاماً، وانتقلت الخلافة إلى بني العباس، فبدأ فصل جديد في التاريخ الإسلامي، بما حمله من مجدٍ علمي وازدهار حضاري. لقد كان قيام الدولة العباسية حدثاً فارقاً دوّنته ذاكرة الأمة في ربيع الآخر، شاهداً على أنّ الأيام دول، وأنّ سنة التداول ماضية لا محالة.
كما يزخر هذا الشهر بذكريات أخرى خالدة، منها وفاة الخليفة عمر بن عبد العزيز في مطلع القرن الثاني للهجرة، ذلك الرجل الذي أعاد للناس سيرة العدل الراشد، وجعل من خلافته القصيرة صورةً باهرة للحكم الصالح. ظلّ اسمه مقروناً بالإصلاح والورع، تلوكه الألسنة بالدعاء والثناء جيلاً بعد جيل.
إنّ استحضار ما وقع من أحداث إسلامية في ربيع الآخر ليس مجرّد تأريخٍ بارد، بل هو دعوة للتأمل في العبر التي تحملها تلك الأيام، واستلهام الدروس التي تهبنا القدرة على بناء المستقبل. إنّه شهرٌ يعكس في صفحاته روح العظمة والابتلاء، ويذكّرنا بأنّ الزمن وعاء للقيم بقدر ما هو وعاء للوقائع.



