![]()
سنن الله الكونية ثابتة قد تخرق لحكمة يعلمها سبحانه
- فتاوى
- غير مصنفة
- سماحة الشيخ /
- يوسف القرضاوي
- المصدر | موقع الشيخ يوسف القرضاوي
إبراهيم شعبان
سنن الله الكونية ثابتة قد تخرق لحكمة يعلمها سبحانه
- غير مصنفة
الشيخ القرضاوي:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد ..
فأود أن أعقب على هذه القصة وما حوته من غرائب بما يلي:
أولا: الأصل في نظام هذا العالم الذي نعيش فيه: أنه قائم على سنن الله الكونية والاجتماعية، التي من شأنها الثبات والعموم، فلا تحابي أحدا، ولا تستثني أحدا، ولا تتغير من أجل خاطر أحد، كما قال تعالى: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} (فاطر:43).
وحين انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو طفل رضيع، ظن بعض الصحابة: أن الشمس انكسفت لأجل موته، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام فيهم خطيبا، وقال لهم: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته” ( متفق عليه ).
وهذه السنن الإلهية قائمة على شبكة الأسباب والمسببات، فلا يصل الإنسان إلى مسبّب ما، إلا إذا حصّل سببه. وهذا مما لا شك فيه، ولا نزاع فيه.
ثانيا: أن لله سبحانه: أن يخرق نظام السنن وشبكة الأسباب والمسببات إذا أراد ذلك لحكمة من الحكم، قد تعلم أو لا تعلم، مثل تأييد رسله بالآيات البيّنات التي سماها المتكلمون “المعجزات” تصديقا لهم في دعواهم: أن الله أرسلهم. وتعضيدا ونصرا لهم في مواجهة خصومهم. ومثل إكرام أوليائه المتقين بكرامة من عنده، لتقوية يقينهم، ونصرهم في دعوتهم أمام خصومهم إلى غير ذلك.
كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، فجعل النار تخرج عن طبيعتها ولا تحرق، كما جعل السكين حين وضعها إبراهيم على رقبة إسماعيل: لا تقطع. وكما جعل العصا حين يلقيها موسى: حية تسعى، وكما جعل عيسى يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله، وهذه أعظم من إحياء الموتى؛ لأن في هذا تحويل الجماد إلى كائن حي، وما ذلك على الله بعزيز.
وقد ذكر علماؤنا في خوارق العادات: “المعجزات” التي يظهرها الله على يد الأنبياء تأييدا لهم. و”الكرامات” التي يظهرها الله على يد أوليائه المتقين إكراما لهم. كما ذكروا أيضا “المعونات” وهي الخوارق التي يظهرها الله على يد عبد مستور الحال، معونة له في تفريج كربة، أو شفاء من مرض، أو تيسير أمر عسير، أو انجاء من ظالم. أو نحو ذلك.
وأرى أن ما حدث لأختنا هذه أم وحيد – إذا صحت الرواية بيقين – هي خارق من باب الكرامة أو باب المعونة. والأقرب أنها من باب “الكرامة”؛ لأنها امرأة ظاهرة الصلاح، حريصة على أداء الفرائض، وتزيد عليها النوافل، مثل صلاة الليل، وكذلك رأيناها تحرص على صلاة الفجر في وقتها، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. ولا مانع أن تكون الملائكة هي التي عملت العملية بأمر الله تعالى. ولله أن يفعل بسبب أو بغير سبب. فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقد حفظنا في دراستنا في الأزهر من منظومة “الجوهرة” في علم التوحيد: بيتا يقول:
واثبتن للأوليا الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه
والولي هو: كل من اتقى الله واستقام على أمره كما قال سبحانه: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} (يونس:62-63)، فليس الأولياء كما يتصور بعض الناس أناسا خارجين عن نطاق البشر المعتاد، بل هم ناس من الناس. كل ما يميزهم عن غيرهم: أنهم امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه.
ثالثا: أن ما يخشى في مثل هذه الحكايات، هو دخول المبالغات والتهويلات فيها، وهذا يصادف هوى في أنفس كثير من الناس، الذين يحبون أن يتكثروا في المجالس برواية الغرائب والعجائب، وأن يزيدوا عليها من عندهم ما يجذب النفوس، ويسحر العقول، وهؤلاء المبالغون هم الذين تعوّدوا أن يجعلوا من القط جملا، ومن الحبة قبّة، كما يول المثل.
ولذا من المهم هنا: الاستيثاق من حقيقة القصة، ومعرفتها من مصدرها الأول، من لقاء صاحبتها، ولقاء طبيبها المعالج، وماذا قال، ولا يترك الأمر للروايات الشفهية التي لا خطام لها ولا زمام.
فإذا ثبتت القصة كما رويت، وأن عملية جراحية أجريت لها في الرؤيا المنامية، وأن آثارها تبينت وشوهدت في اليقظة، وأن الأطباء المختصين أقروا بذلك. فهنا لا يسعنا إنكار الأمور المشاهدة. فإن الأدلة الحسية لا تجحد، وأقواها المشاهدة بالعين.
ولسنا من الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الطبيعة أو ما وراء الحس، بل نحن نؤمن بعالم الغيب، كما نؤمن بعالم الشهادة. ونؤمن بأن قدرة الله طليقة لا حدود لها، ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، مادام في إطار الممكنات.
والذين يقولون: زمن الخوارق قد انتهى، ونحن في عصر الأسباب المادية وحدها: ينسون أن الكون لا تزال تحدث فيه عجائب هنا وهناك، يتناقلها الناس في المشارق والمغارب، وليس لها تفسير وفق الأسباب المادية. ومن المؤكد: أن الإنسان مهما اتسع علمه فهو محدود. وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء:85).
والله أعلم.
- كلمات مفتاحية | إبراهيم بن النبي, الآيات الكونية, الأسباب والمسببات, الانكساف, السنة النبوية, الكون الإسلامي, تفسير الأحداث, سنن الله



